عثمان يحيى / احمد محمد الطيب
20
مؤلفات ابن عربى تاريخُها وتصنيفُها
لقد انقسم العلماء - حول ابن عربى - إلى فريقين متعارضين : فريق يراه الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر ؛ وفريق آخر يراه رأس الزندقة وممّن سوّل لهم الشيطان وأملى لهم . وللشيخ أنصار يدافعون عنه في حرارة وقوة ، وله أعداء يشنعون عليه بنفس الحرارة وبنفس القوة . يشهد على ذلك تلك الوثيقة المميزة التي طالعنا بها المؤرخ المصري الشهير السخاوي ، والتي أودعها كتابه عن « ابن عربى » وهي وثيقة جمعت طائفة من الآراء والفتاوى التي أصدرها أولو الأمر والعلماء إنصافا للشيخ أو إدانة له ؛ وذلك على مدى ثلاثة قرون تقريبا . وهكذا جمع السخاوي في وثيقته هذه أكثر من ثلاثمائة فتوى تشهد للشيخ أو تشهد عليه ، ابتداء من سنة 620 ه وحتى سنة 895 ه . ويشهد لهذا الدوىّ الذي أحدثته مؤلفات الشيخ ذلك العدد الضخم من الشراح الذين توفروا على أعماله ، وقد وجدنا لكتاب واحد من كتبه المسمى : « فصوص الحكم » ، مائة وخمسين شرحا ، اتفقت مع ما ذهب إليه الشيخ أو اختلفت معه فيه . ومما لا شك فيه أن تاريخ الفكر الإسلامي قد شهد قبل ابن عربى وبعده شخصيات كثيرة خرجوا على المتعارف المألوف في الفكر الإسلامي ، أو صدموا - إلى حد ما - الوعي الفكري العام عند المسلمين . ويمكننا أن نرجع بالذاكرة ، في هذا الصدد ، إلى مأساة الحلّاج وإلى مقتل السهروردي ، وإلى أمثلة أخرى غير هذين . إلا أن وضع الشيخ الأكبر كان وضعا مختلفا تماما سواء من حيث طبيعته أو من حيث تأثيره . لقد كانت تجربة الشيخ تجربة فريدة من بين كل هذه التجارب . وهذا هو ما يبدو للباحثين منذ الوهلة الأولى . غير أنه حين نتوغل قليلا في دراسة تجربة الشيخ فإننا نكتشف أن هذا يرجع - في الحقيقة - إلى وضع الإسلام ذاته ، في مظهريه اللذين يكمل أحدهما الآخر : أي باعتباره نظاما كليا ، جامعا لمظهرى القضية الدينية الكبرى ، وأعنى بهما : مظهر الشريعة ومظهر الحقيقة . ونود أن نقول : إن مشكلة الشيخ الأكبر كان يمكن ألا تكون بهذه الحدة لو قدر له أن ينشأ في ظل عقيدة ذات اتجاه متيافيزيقى خالص مثل « التاويزم »